التأمين الأخضر والهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية

 

التأمين الأخضر والهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية

الدكتور فهد بن حمود العنزي

أكاديمي وباحث متخصص بالتأمين

fahadhamoud@yahoo.com

تشرفت قبل فترة بالمشاركة في إحدى جلسات المؤتمر العربي الدولي الأول للتشريع البيئي الذي أقيم بمدينة الرياض وعُقد تحت رعاية كريمة من صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز، وقد تركزت محاور المؤتمر وجلساته على هموم البيئة وضرورة وجود تشريعات فعالة لحماية البيئة وتنمية الوعي البيئي لدى المواطن العربي والمؤسسات الحكومية والخاصة وكافة الجهات العاملة في الوطن العربي الذي يزخر بمقومات بيئية هائلة.

وقد أتيحت لي الفرصة للحديث مع سمو أمين عام الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها الأمير بندر بن سعود بن محمد آل سعود والذي وجدت في حديثه حماسا كبيرا لتطوير عمل الهيئة وإشراك كافة الجهات للعمل مع الهيئة من اجل المحافظة على البيئة وتنميتها. ولقد وجدت في حديثه كذلك قدرا كبيرا من الألم والمعاناة من بعض الممارسات اللامسئولة ممن لا يتوافر لديهم اهتمام أو وعي ببيئتنا على تنوعها الجغرافي المتميز رغم ما تبذله الهيئة من جهود من أجل المحافظة على الحياة الفطرية وخلق وعي بيئي لدى المواطن والمقيم.

وأنا أؤكد على كلام سمو الأمير في أنه يلزم أن تتضافر كافة الجهود لخلق وعي بيئي لدى كافة الأفراد والجهات، وأن يكون الرافد الأساس لهذا الوعي منطلقاً من البيت والمدرسة والجامعة، وأن يتم خلق قاعدة مفادها بأن البيئة هي هاجس للجميع سواء للإنسان أو المصنع أو المستشفى والمؤسسات على اختلاف أنشطتها.

ولو انتقلنا للحديث عن الغرب وهو يعد الآن معلمنا ومرشدنا في المحافظة على البيئة رغم تعليمات الشريعة الإسلامية في هذه الشأن وارتباط تعامل الإنسان مع بيئته بالأجر والعقاب وقاعدة الحلال والحرام كذلك، إلا أننا نجد انه في الغرب أصبح هناك وعي بيئي متميز وفعال لدى الجميع بل وظهرت هناك مؤسسات خضراء بل حتى بنوك خضراء ومحال تجارية خضراء، فاللون الأخضر والذي مصدره الشجرة والماء والزرع والأخشاب بالنسبة لهم سمة يجب أن يتلون بها الاقتصاد وتتلون بها الأرقام، بل وظهر حاليا مصطلح الاقتصاد الأخضر الذي أوجد رابطاً قوياً قويا بين الاقتصاد والبيئة على اعتبار أنه لا يمكن الفصل أبداً بين الاقتصاد والبيئة، بل أن هناك توأمة وانسجام بينهما وظهورهما مظهر الجسد والكيان الواحد. فالمياه والبحار والأشجار والغابات والأرض والنفط والهواء كلها تمثل الرافد الأساس لاقتصاد أي دولة بل انه حتى الإنسان لا يمكن له أن يصنع اقتصاداً نظيفا طالما انه يعمل في بيئة موبؤة أو ملوثة فسلوك الإنسان يجب أن يكون سلوكا صديقا للبيئة لأنها في النهاية هي الحاضنة له.

إن التطور الهائل الذي حصل في العقود الأخيرة والرفاهية التي وصلت إليها الشعوب أعطى الأولوية دائما لبحث قضايا البيئة سيما مع عدم مراعاة التوازن بين استغلال الإنسان للموارد البيئية والمحافظة على البيئة كمصدر واهب لهذه الموارد أو حتى تجنيب هذا المصدر ما يمكن أن يحدث من كوارث نتيجة استغلال الإنسان لهذه الموارد.

ولقد زاد اهتمام المجتمع الدولي بالبيئة في السنوات الأخيرة وقد تم عقد العديد من الفعاليات والمؤتمرات الدولية وكان أشهرها “قمة الأرض” التي عقدت عام 1992 في “ريو دي جانيرو”، كما وقعت معظم دول العالم على أكثر من 140 اتفاقية من هدفها المحافظة على البيئة، وحُدد يوم 5 يونيو من كل عام كيوم عالمي للبيئة، وهناك الكثير من الجمعيات الحكومية والخاصة وكذلك الجماعات التي تعنى بقضايا البيئة وتدافع عنها ولعل أشهرها “جماعة الخضر”. كما ظهرت مؤسسات دولية تمنح شهادات دولية للمصانع والمزارع التي تحافظ وتهتم بالجوانب البيئية مثل شهادة الأيزو 14000.

والحقيقة أن الحديث عن البيئة ذو شجون ولكن ما أود التركيز عليه في هذا المقال هو عرض لدور التأمين في حماية البيئة وأن يكون هذا المقال في النهاية بمثابة دعوة لشركات التأمين لأن تتلون باللون الأخضر دعما منها للبيئة مثلها مثل البنوك والمؤسسات التجارية الأخرى.

وكلامي هذا ليس هو كلاماً لا يلامس أرض الواقع أو أنه يتمحور حول فكرة نظرية بحتة لا تجد مكانا لها إلا بين رفوف المكتبات أو على صفحات الجرائد بل هي فكرة ملحة وضرورية وسهلة التطبيق في الوقت نفسه وستكون نتائجها مفيدة جداً كذلك. وهذه الفكرة تتمحور حول سؤال مفاده هو لماذا لا تكون هناك محاولة لطرح منتج تأميني تحت مسمى الوثيقة الخضراء تقدمها شركات التأمين للمؤسسات والمصانع والهيئات المهتمة بشئون البيئة أو تلك التي عليها اشتراطات وتعليمات متعلقة بالبيئة وتلتزم بموجبها شركة التأمين بتعويض وإصلاح الأضرار التي تحدث للبيئة مقابل قسط سنوي معين. أنا أعلم أن وثائق التأمين الحالية التي تعنى بالتأمين ضد المسئولية على اختلاف أشكالها تستثني كثيرا من المخاطر التي تتعلق بالتلوث البيئي وذلك لعدة أسباب أهمها أن شركات إعادة التأمين تفرض عليها ذلك أو لأن هذه المخاطر غير معلومة أو غير محددة بشكل كاف لشركات التأمين فتلجأ هذه الشركات من باب الاحتياط أو من باب عدم الدخول في تغطية مخاطر مجهولة من حيث الحجم أو الأثر إلى استثنائها. ولكن إذا وجد تأمين خاص أي وثيقة خاصة تعنى بالتأمين على البيئة سيكون الأمر مختلفاً كليا وستعنى شركات التأمين بدراسة مخاطر البيئة وتحديد أنواعها وأشكالها وآثارها وحجم التغطيات ونوع التعويض وسيكون لشركات التأمين سلطة عقدية لتفرض على عملائها الذين يقومون بالتأمين على كل ما هو بيئي شروطا متعلقة بالمحافظة على البيئة والحد من المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها البيئة.

ومن وجهة نظر شخصية، فأنا أرى في النهاية أن شركات التأمين هي أقرب صديق للبيئة وعملها قائم أصلاً على فكرة الحد من حصول المخاطر قدر الإمكان وإصلاحها أو التخفيف من أثارها فيما لو حصلت لا سمح الله, ولو أخذنا مثالاً بسيطا وهو أن جهة ما أرادت أن تؤمن على مكونات بيئة معينة، غابة جبلية أو حديقة يرتادها الزوار مثلا، فشركة التأمين ستدرس المخاطر المتعلقة بهذه الغابة أو الحديقة المراد التأمين عليها وسيكون لشركة التأمين دورين رئيسيين أولهما هو تنبيه هذه الجهة المسئولة عن الغابة أو الحديقة على الأشياء التي يمكن القيام بها للتخفيف من كلفة التأمين على هذا العميل مثل وضع سياج عالي وقوي حول الغابة أو الحديقة لمنع المتسللين والعابثين في غير أوقات الدوام وإيجاد حراسة كافية وما إلى ذلك والدور الثاني لشركة التأمين هو إعطاء تعليمات وشروط لهذه الجهة لمنع حصول المخاطر أو التخفيف منها وتداركها في الوقت المناسب مثل التعاقد مع خبراء في الحرائق والزراعة وتركيب أنظمة رقابة وسيطرة فعالة أو التعاقد مع جهات مهنية لمكافحة الجفاف والآفات وما إلى ذلك، وما ينطبق على هذين المثالين ينطبق كذلك على المصانع التي يمكن أن يشكل نشاطها تأثيرا ضارا على البيئة. ولذلك فشركات التأمين يمكن لها أن تكون أقرب صديق للبيئة وبلون أخضر كذلك وفقنا الله جميعا لحماية بيئتنا من كل ما هو ضار ومؤذي

 

موضوعات مشابهة

مشاركة

عن الكاتب

موقع بيئة أبوظبي

(0) تعليق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>